إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة
الإسم:
البريد الإلكتروني:
 

علامة الصليب تبطل السحر وتفسد كل عرافة وتضبط كل لذة فاسدة.. وبه ترتفع أنظار الإنسان من الأرض إلي السماء!

( القديس أثناسيوس الرسولي )

 

الحذاء....ودرس في العطاء

 

كانت عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحًا في تلك الدولة الإفريقية السمراء، والسيارة تشق طريقها في قلب الصحراء ونحن بداخلها في طريقنا للسجن.  لا، عزيزي القارئ، لم يكن مقبوضًا علينا بالطبع بل كُنَّا في طريقنا لزيارة المساجين هناك.  كُنَّا خمسة، ولا أنسى كيف كُنَّا نشعر بفرح حقيقي في ذلك الصباح المشرق، وإننا قضينا وقتًا في الصلاة ونحن في طريقنا حتى يفتح الرب لنا بابًا للكلام لتوصيل بشارته المُفرِحة للنفوس الهالكة والذليلة والسجينة خلف قضبان الخطية.

وصلنا هناك لنجد المساجين مفترشين الأرض.  لم يكن في السجن غرف بل كانت ساحة كبيرة والمساجين نائمين على الأرض بجوار بعضهم البعض دون سقف يحميهم.  كان عددهم كبيرًا وراحوا يتهامسون فيما بينهم وينظرون إلينا في ترقب.

ما أن دخلنا غرفة الصلاة في السجن، حتى وجدناهم يتدافعون بقوة داخل الغرفة الصغيرة، ويجلسون على الأرض حتى امتلأت عن آخرها، فبدأوا يأخذون أماكنهم حول شبابيك الغرفة ويقفون في زحام شديد مترقبين ما سيحدث.  أخرجنا نُسَخ من الكتاب المقدس، وبدأنا نوزعها عليهم؛ فأخذوها بشغف شديد وبدأوا يتصفحونها فورًا، في مشهد رائع يدل على عطش حقيقي لكلمة الله داخل قلوبهم.

بدأنا فرصتنا الروحية معهم بالترنيم، ثم بدأ صديقي (ر.ز) يروى لهم قصة الابن الضال (لوقا15)، ومنها بشرهم بيسوع المسيح الذي أحبهم ومات لأجلهم على عود الصليب...  وما أن دعونا الذين يريدون أن المسيح يملك على قلوبهم حتى وقفوا جميعًا للصلاة، وأصواتهم تعلو بالصلاة القلبية للرب يسوع.  وفور الانتهاء من الاجتماع حدث أمر في غاية الغرابة، وهو ما دعاني اليوم لأكتب هذه القصة التي رأيتها بعينيَّ كما أرويها لك بالضبط؛ لأنه ترك أثرًا في داخلي لن أنساه.

http://www.nahwalhadaf.com/Images/107/107-05-01.jpgبعد نهاية الاجتماع جاء شاب من المسجونين وقال لصديقي (ر.ز): “سأخرج غدًا وليس معي نقود لأشتري حذاء للعودة به للبيت”.  ولما وجده صديقي لا يلبس حذاءً، في لحظة ودون تفكير انحني وخلع حذاءه الشخصي الغالي الثمن، كان قد اشتراه منذ أسبوعين فقط، ليعطيه لذلك المسجون المحتاج له.  نظرت بدهشة للمنظر الغريب الذي يحدث أمام عينيَّ متخيلاً للحظات أنني أتوهم.  لكنني وجدت صديقي يتحرك خارج غرفة الاجتماع حافي القدمين، ليركب السيارة دون حذائه.

ركبنا جميعًا السيارة ونحن في صمت شديد من روعة المشهد الذي حدث منذ لحظات أمام عيوننا.  وما أن تحركت بنا السيارة حتى تطلعت إلى صديقي (ر.ز) حيث كان يجلس خلفي، فوجدت الدموع تملأ عينيه والفرح السماوي يشع من وجهه.  رفعنا قلوبنا بالصلاة لإلهنا العظيم شكرًا على ما فعله في ذلك اليوم معنا، والسيارة تشق طريق طريق العودة، بعدما علَّمنا الرب في ذلك اليوم درسًا جديدًا في العطاء في قصة الحذاء.

هذه القصة جعلتني أقف أمام فكرة العطاء، والتي كثيرًا ما نتجاهلها في حياتنا الروحية، مما يجعلنا نفتقد لسعادة حقيقية لا يشعر بها إلا من تذوق حلاوتها، حتى إن أحدهم قال: “على المُعطي أن يقدِّم الشكر للمُعطَى له لأنه يجعله يشعر بسعادة لا نظير لها”.  وإليك بعض الدروس التي تعلمتها من كلمة الله في هذا الصدد:

العطاء عمل يباركه الله

مكتوب: «مُتَذَكِّرِينَ كَلِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوعَ أَنَّهُ قَالَ: مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ» (أعمال20: 35)، وتأتي كلمة “مغبوط” في كثير من الترجمات بمعنى “مُبارَك جدًّا”؛ فالعطاء أمر يٌشبِع قلب الله لأنه عمل فيه شيء من التخلي عن الأنانية وحب الذات، لذا فهو أمر مُبارَك من الله.

العطاء يُقدَّم لمن يحتاج

جاء في موعظة الرب الشهيرة على الجبل: «مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ» (متى5: 42)، والكلمة “يسأل” في أصلها تعني: “يطلب بناءً على احتياج لديه”.  وهذا الأمر يذكِّرنا أيضًا بالقول: «إِنْ كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ عُرْيَانَيْنِ وَمُعْتَازَيْنِ لِلْقُوتِ الْيَوْمِيِّ، فَقَالَ لَهُمَا أَحَدُكُمُ: امْضِيَا بِسَلاَمٍ، اسْتَدْفِئَا وَاشْبَعَا.  وَلَكِنْ لَمْ تُعْطُوهُمَا حَاجَاتِ الْجَسَدِ، فَمَا الْمَنْفَعَةُ؟» (يعقوب2: 15، 16).  فالشعور بأخي المحتاج وإن كان جيدًا لكنه ليس كافيًا؛ بل يجب أن نقدِّم ما يسدِّد هذا الاحتياج.

العطاء يجب أن يكون بسخاء

كتب بولس الرسول لتيموثاوس ليوصي الأغنياء بعدة أمور ومنها: «أَنْ يَكُونُوا أَسْخِيَاءَ فِي الْعَطَاءِ كُرَمَاءَ فِي التَّوْزِيعِ» (1تيموثاوس6: 18).  فالعطاء بحسب كلمة الله يجب أن يكون بسخاء وكرم فـ«مَنْ يَزْرَعُ بِالشُّحِّ فَبِالشُّحِّ أَيْضًا يَحْصُدُ، وَمَنْ يَزْرَعُ بِالْبَرَكَاتِ فَبِالْبَرَكَاتِ أَيْضًا يَحْصُدُ» (2كورنثوس9: 6).

في العطاء لا يجب أن نقدِّم المتبقي من حاجتنا

فالعطاء الحقيقي، كما تعلمنا كلمة الله، ليس هو تقديم المتبقي من حاجتنا، بل تقديم ما نحن في حاجة إليه، أو على الأقل هو تقديم عطايا ما زلنا نستخدمها وفي حاجة إليها، تمامًا مثلما فعلت الأرملة المسكينة التي ألقت الفِلسين في الخزانة فأثنى الرب يسوع على عملها هذا، بعبارته الشهيرة، مقارنًا بينها وبين الأغنياء الذين كانوا - في نفس اللحظة - يلقون قرابينهم في الخزانة: «بِالْحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ هَذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنَ الْجَمِيعِ؛ لأَنَّ هَؤُلاَءِ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا فِي قَرَابِينِ اللهِ؛ وَأَمَّا هَذِهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا أَلْقَتْ كُلَّ الْمَعِيشَةِ الَّتِي لَهَا» (لوقا21: 3، 4).  فالرب هنا أراد أن يعلِّمنا أن العطاء المسيحي يختلف كُليًّا عن العطاء الذي نراه من حولنا أو ربما تعلَّمناه من ثقافات وفلسفات بشرية قاصرة؛ فهو أسمى وأروع صور العطاء.

العطاء أمر لا يخصّ المقتدرين فقط

مثال الأرملة يوضح ذلك، وأيضًا ما نقرأه عن: «كَنَائِسِ مَكِدُونِيَّةَ، أَنَّهُ فِي اخْتِبَارِ ضِيقَةٍ شَدِيدَةٍ، فَاضَ وُفُورُ فَرَحِهِمْ وَفَقْرِهِمِ الْعَمِيقِ لِغِنَى سَخَائِهِمْ؛ لأَنَّهُمْ أَعْطَوْا حَسَبَ الطَّاقَةِ، أَنَا أَشْهَدُ، وَفَوْقَ الطَّاقَةِ، مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ» (2كورنثوس8: 1-3).  فالعطاء المسيحي لا يتوقف على وضع مادي أو اجتماعي معيَّن، أو يخص المقتدرين فقط، بل هو يشمل الجميع.  وفي كثير من الأحيان تظهر روعته حينما يأتي من البسطاء والفقراء، لأنه يؤكِّد على عمل الله المعجزي في قلوب مُحبيه، ويبرهن على غلاوة إلهنا الحقيقية في قلوب هؤلاء القديسين الأتقياء.

العطاء له مكافأة

«أَعْطُوا تُعْطَوْا كَيْلاً جَيِّدًا مُلَبَّدًا مَهْزُوزًا فَائِضًا يُعْطُونَ فِي أَحْضَانِكُمْ.  لأَنَّهُ بِنَفْسِ الْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ» (لوقا6: 38).  وهذا وعد من الرب بأن من يُعطي له مكافأة.  قيل أيضًا في سفر الأمثال: «النَّفْسُ السَّخِيَّةُ تُسَمَّنُ وَالْمُرْوِي هُوَ أَيْضًا يُرْوَى» (أمثال11: 25).  فالرب يكافئنا على ما نقدمه من عطايا لمن يحتاج.

القارئ العزيز،أرجو ألا تترك فيك القصة التي رويتها مجرد أثر طيب يضعُف مع الأيام، أو شعورًا وقتيًّا يزول أثره في وسط زحمة الأحداث اليومية المختلفة وزخم الحياة؛ لكنني أرجو أن يحدث معك ما حدث معي بعدما رأيت أحداث هذه القصة بعينيَّ من مثال حقيقي للعطاء، إذ إن هذا الأخ المحبوب الفاضل الذي قدَّم مثالاً رائعًا في العطاء المسيحي الحقيقي جعلني أركض نحو كلمة الله وأجلس أمامها دارسًا أمر العطاء، مُصَلّيًا أن يعطيك الرب ويعطيني عمقًا أكثر وفهمًا أعمق للعطاء المسيحي الحقيقي الذي يجب أن يكون له وجود أكثر وأوضح في حياتنا.